**الولايات المتحدة تستعد لإحياء الطيران المدني الأسرع من الصوت مع لوائح FAA وتقنيات ناسا الجديدة**
بعد أكثر من نصف قرن على حظر الطيران المدني الأسرع من الصوت فوق أراضيها، تتجه الولايات المتحدة نحو حقبة جديدة من السفر الجوي فائق السرعة. فقد أعلنت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) عن حزمة أولى من اللوائح التنظيمية الجديدة التي تهدف إلى تمهيد الطريق لعودة الرحلات التجارية الأسرع من الصوت، مع معالجة التحدي الأكبر الذي واجهها تاريخياً: الضوضاء.
**معايير ضوضاء جديدة: وداعاً للانفجار الصوتي المزعج**
تتركز هذه المعايير المقترحة على مستويات الضوضاء الناتجة عن اختراق الطائرات لحاجز الصوت، بحيث لا يتجاوز ضغط الموجة الصوتية 0.11 رطل لكل قدم مربعة. هذا المستوى، وفقاً للسلطات، سيقلل من "الانفجار الصوتي" المدوي التقليدي ليصبح أشبه بصوت إغلاق باب سيارة بقوة على الأرض. وصرح براين بيدفورد، مدير إدارة الطيران الفيدرالية، أن هذه الخطوة ستسمح مستقبلاً بإلغاء الحظر المفروض منذ سبعينيات القرن الماضي على الطيران الأسرع من الصوت فوق الأراضي الأمريكية، مع ضمان حماية السكان والمجتمعات من الإزعاج الصوتي.
يُذكر أن الولايات المتحدة فرضت حظراً شاملاً على الرحلات المدنية الأسرع من الصوت فوق أراضيها عام 1973. جاء هذا القرار في أعقاب شكاوى واسعة النطاق من الأضرار التي سببتها موجات الانفجار الصوتي، خاصة تلك الناتجة عن اختبارات الطائرات العسكرية، والتي أدت إلى تحطم نوافذ وتصدع جدران وإثارة الذعر بين السكان. وظلت سمعة هذا القطاع متأثرة لعقود، ليس فقط بسبب الضوضاء، بل أيضاً نتيجة للتحديات التشغيلية والحوادث التي واجهتها طائرات "كونكورد" الأيقونية لاحقاً.
**ناسا وX-59: طرقة خفيفة بدلاً من الدوي**
إلا أن التطورات التقنية الحديثة أعادت إحياء هذا القطاع الطموح، مع تركيز الشركات والهيئات البحثية على تقليل الضوضاء وتعزيز معايير السلامة بشكل جذري. وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" في يناير 2024 عن نجاح طائرتها التجريبية X-59 "QueSST" في التحليق لأول مرة بسرعة تفوق سرعة الصوت، محققةً سرعة "ماخ 1.077". يمثل هذا الإنجاز محطة رئيسية ضمن مهمة "QueSST" الهادفة إلى تطوير طائرات أسرع من الصوت تنتج "طقطقة" صوتية خفيفة بدلاً من الانفجار الصوتي التقليدي، وذلك بفضل تصميمها الانسيابي الذي يحد من شدة الموجات الصدمية. تقود "ناسا" هذا البرنامج لإثبات إمكانية تشغيل طائرات مدنية أسرع من الصوت دون التسبب بالإزعاج الذي أدى إلى فرض الحظر قبل أكثر من خمسة عقود.
**القطاع الخاص والخطوات التنظيمية المقبلة**
بالتوازي مع جهود "ناسا"، تعمل شركات خاصة رائدة مثل "بوم سوبرسونيك" (Boom Supersonic) و"دون إيروسبيس" (Dawn Aerospace) على تطوير جيل جديد من الطائرات التجارية الأسرع من الصوت. وتتوقع هذه الشركات أن يؤدي تحديث اللوائح التنظيمية إلى تسريع دخول هذه الطائرات الخدمة خلال السنوات القليلة المقبلة. وأشارت إدارة الطيران الفيدرالية إلى أنها ستطرح مقترحاً تنظيمياً إضافياً في وقت لاحق من هذا العام، يتناول على وجه التحديد معايير الضوضاء الخاصة بإقلاع وهبوط الطائرات الأسرع من الصوت، في إطار مسار تشريعي متكامل لإعادة هذه الرحلات إلى الأجواء الأمريكية بعد توقف دام لأكثر من 53 عاماً.
**إرث الكونكورد وتحديات الماضي**
تستدعي هذه التطورات ذكريات طائرة "كونكورد" الأسطورية، التي كانت ثمرة مشروع بريطاني-فرنسي مشترك انطلق في ستينيات القرن الماضي بهدف إحداث نقلة نوعية في الطيران التجاري. دخلت "كونكورد" الخدمة عام 1976، وحلقت بسرعة تزيد على ضعفي سرعة الصوت (نحو ماخ 2)، مما قلص زمن الرحلات العابرة للمحيط الأطلسي إلى أقل من ثلاث ساعات ونصف، وأصبحت رمزاً للتقدم التكنولوجي والفخامة. إلا أنها واجهت تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف التشغيل واستهلاك الوقود، فضلاً عن القيود المفروضة على الطيران الأسرع من الصوت فوق اليابسة بسبب "الانفجار الصوتي" المزعج، مما حصر معظم رحلاتها في المسارات العابرة للمحيطات. تلقى البرنامج ضربة قاسية بتحطم إحدى طائراتها عام 2000، وأدت المخاوف الأمنية بعد هجمات 11 سبتمبر وتراجع الطلب وارتفاع تكاليف الصيانة إلى إخراجها من الخدمة نهائياً عام 2003، لتنهي حقبة قصيرة ومميزة من الطيران التجاري الأسرع من الصوت.
بفضل هذه الجهود المنسقة بين الهيئات الحكومية والمؤسسات البحثية والشركات الخاصة، يبدو أن عالم السفر الجوي على أعتاب ثورة حقيقية، تعد بتقليص المسافات وإعادة تشكيل تجربة الطيران في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق