**ألمانيا: "البديل" يعيد الزخم لليمين المتطرف، ومخاوف من عودة شبح الفاشية بعد 90 عاماً**
تشهد ألمانيا اليوم حالة من القلق العميق بشأن مستقبل ديمقراطيتها، التي بُنيت على أنقاض التجربة النازية الكارثية. يأتي هذا القلق بالتزامن مع الصعود المتسارع لحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) وتفوقه على التحالف الحكومي والأحزاب التقليدية الأخرى. ورغم خروج عشرات الآلاف في مسيرات مناهضة للحزب بالتوازي مع مؤتمره الاتحادي في إرفورت، يبدو أن الاحتجاجات وحدها قد لا تكون كافية لكبح جماح تقدمه في استطلاعات الرأي.
مع إعادة انتخاب زعيميه، أليس فايدل وتينو خروبالا، اللذين قادا الحزب ليصبح قوة وطنية، يتطلع "البديل" إلى توسيع قاعدة مؤيديه في جميع أنحاء ألمانيا، والحفاظ على تفوقه على حزب الاتحاد المسيحي، أملاً في الوصول إلى سدة الحكم خلال سنوات قليلة.
تأسس حزب "البديل من أجل ألمانيا" قبل نحو عقد من الزمن، مرتكزاً على مزيج من الخطاب القومي المتشدد، والدعوة إلى سياسات هجرة أكثر صرامة، مستهدفاً الناخبين المحبطين من الحكومات المتعاقبة وسنوات الركود الاقتصادي. وسرعان ما نجح الحزب في ترسيخ أقدامه في عدة ولايات، لا سيما في شرق البلاد، حيث تتركز الاحتجاجات ضد سياسات الحكومة الاتحادية. ويتهم قادة "البديل" التحالف الحاكم بجرّ ألمانيا إلى "نفق مظلم" وتلاشي الهوية الوطنية والثقافية بفعل تدفقات الهجرة التي تستنزف الإنفاق العام والضرائب.
**تحذيرات من تكرار التاريخ**
لا يقتصر القلق العام المثار حول الحزب على تقدمه السياسي وفرصه الحقيقية في الفوز بالانتخابات المقبلة فحسب، بل يمتد إلى مخاوف من إشاعة مناخ من "الفاشية" بعد تسعين عاماً من صعودها بالآليات ذاتها، أي عبر المسار الديمقراطي. يأتي مؤتمر إرفورت قبل انتخابات ولايتي ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن الشرقيتين، والتي يأمل الحزب أن تمهد لنجاحه على المستوى الوطني، مما يثير ارتباكاً كبيراً لدى خصومه السياسيين.
في هذا السياق، يقول جورج بيكر، المتحدث باسم جماعة "المقاومة" المناهضة للحزب: "نريد أن نوضح أننا لن نتسامح مع هذا الأمر، وأن الفاشية تتصاعد هنا في ألمانيا". وتتهم الجبهة المعارضة للحزب، "البديل" بالترويج لسياسات ومواقف عنصرية لا تتوافق مع القيم الديمقراطية الألمانية، وبتهديد النظام الدستوري للبلاد. وقد استبعدت الأحزاب الرئيسية أي تعاون معه ضمن استراتيجية "الجدار الناري" الهادفة لعزل الحزب. في المقابل، ينفي قادة "البديل" أي معارضة منهم للأسس الديمقراطية، مؤكدين التزامهم بالدستور، وقد حصلوا في وقت سابق على أمر قضائي يُلزم جهاز المخابرات الداخلية بتعليق تصنيف الحزب بأنه "متطرف".
**تناقضات في قاعدة الدعم وتصاعد القلق**
مع ذلك، يرسم الحزب صورة متناقضة حوله، فهو لا يكتفي بإثارة حالة الاستقطاب لدى الاتجاهات اليمينية أو النازيين الجدد، بل بدأ يكسب أراضٍ جديدة وسط الألمان من أصول مهاجرة. فعلى المستوى الوطني، تبلغ نسبة تأييد "البديل" حالياً 29%، بينما لا تتجاوز 19% في العاصمة برلين. لكن خلف هذه الإحصائيات العامة، يمكن ملاحظة الزيادة المطردة في نسبة التأييد ضمن صفوف الألمان من أصول مهاجرة، حيث ارتفعت من 3% عام 2015 إلى نسبة متوقعة تبلغ 19% بحلول عام 2025.
في تقرير مصور لصحيفة "تاغس شبيغل" الألمانية، تحذر الخبراء في برلين من أن هذه الفئة المتنامية من الناخبين (ذوي الأصول المهاجرة) قد تؤثر بشكل كبير في نتائج انتخابات الولاية المقبلة. كما يُظهر المعهد الألماني لحقوق الإنسان في تقرير صدر هذا العام، أن حزب "البديل" اليميني المتطرف يمثل "عودة بالزمن إلى الاشتراكية القومية التي راجت مع النازيين في ثلاثينيات القرن الماضي". فوفقاً للمعهد، يتردد صدى "القومية الاشتراكية" اليوم بقوة مع تصريحات مثيرة للجدل صادرة عن عدة قادة من الحزب، أبرزهم بيورن هوكه، زعيم الحزب في تورينجن، وشخصية مستقطبة ومؤثرة.
يحذر المعهد في تقريره من أن أطروحات الحزب تتعارض مع المادة الأولى من الدستور الألماني، لأنه يسحب مبدأ المساواة بين الألمان ويضع معاييره الخاصة لمن يجب اعتبارهم ألماناً، ومن يحق لهم البقاء في ألمانيا (حتى لو كانوا حاملين لجوازات سفر ألمانية)، ومن يمثلون خطراً على "الثقافة الألمانية". ويلفت التقرير الانتباه إلى ما يعتبره الخطر الأكبر في سعي الحزب للوصول إلى السلطة وإحداث تغيير جذري وخطير في ألمانيا.
ويدق "المعهد الألماني لحقوق الإنسان" ناقوس خطر على الديمقراطية، في استعادة تاريخية لا يمكن التغافل عنها، في إشارة إلى السياق الذي رافق صعود "الاشتراكية القومية" عبر صناديح الاقتراع قبل تسعين عاماً. ويؤكد المعهد في تقريره: "رغم دخوله (البديل) البرلمان عبر انتخابات ديمقراطية، فإن هذا لا يجعله ديمقراطياً. بل على العكس، يسعى الحزب إلى تقويض ديمقراطيتنا. ومن المحتمل أن يزداد نجاح الحزب مع ازدياد عدد المصوتين له. وفي بعض مناطق ألمانيا، يعد الحزب بالفعل هو الأقوى. لقد أصبح حزب البديل من أجل ألمانيا تهديداً خطيراً لديمقراطيتنا".
**التهديد يتجاوز الحدود الألمانية**
لكن التحذيرات تشير إلى أن الأخطار قد لا تتوقف عند ألمانيا. فالأطروحات اليمينية المتطرفة تتردد اليوم في أرجاء أوروبا، مع نجاح أكثر من حزب يميني متطرف في الوصول إلى الحكم أو واجهة التجاذب السياسي في دول عدة، من بينها إيطاليا وفرنسا وهولندا والنمسا وسلوفاكيا وبولندا والمجر.
ويدفع الآن أكثر من 180 نائباً داخل البرلمان الأوروبي نحو التحقق من الأسس القانونية لحزب "أوروبا الأمم ذات السيادة" (Europe of Sovereign Nations)، الذي يضم عدة أحزاب يمينية متطرفة منها حزب "البديل"، وذلك بدعوى عدم التزامه بالقيم الأوروبية الأساسية مثل احترام الكرامة الإنسانية، والحرية، والديمقراطية، والمساواة، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الأقليات.
ووفقاً لشبكة "يورونيوز"، يتضمن ملف الأدلة، الذي أعدته "السلطة المعنية بالأحزاب والمؤسسات السياسية الأوروبية" في 294 صفحة، أحكاماً قضائية وتصريحات ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي صادرة عن أعضاء من الحزب، اعتُبرت مؤشرات محتملة على انتهاك قيم الاتحاد الأوروبي. وبحسب اللوائح، فبمجرد تفعيل البرلمان للإجراء، ستحال ملاحظات السلطة إلى الحزب، الذي سيكون بإمكانه تقديم ردوده أو اتخاذ تدابير تصحيحية. وبعد ذلك، تقرر السلطة ما إذا كانت ستشطب تسجيله كحزب سياسي أوروبي، مع احتفاظ البرلمان الأوروبي والمجلس بحق إبطال القرار بعد صدوره.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق