كشف تحقيق استقصائي مشترك ضخم أجرته مجلة "دير شبيغل" الألمانية، بالتعاون مع الموقع الاستقصائي الروسي "إنسايدر" والصحيفة الفرنسية "لوموند"، عن عمق ونطاق غير مسبوقين للتعاون العسكري التكنولوجي السري بين روسيا والصين. يضع هذا التحقيق ضوءًا على شراكة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي، مرتكزة على الابتكار الدفاعي المشترك ومواجهة التفوق العسكري والتقني للولايات المتحدة وحلفائها.
**منتديات السرية المطلقة: أسس التعاون التكنولوجي**
وفقًا للتحقيق، الذي تتبعت خيوطه المجلة وشريكاها على مدى أشهر، تعود جذور هذا التعاون إلى "المنتدى الروسي-الصيني للتقنيات العسكرية" الذي عُقدت اجتماعاته بعيدًا عن أعين الرقابة، وحتى عن بعض أجهزة الاستخبارات الغربية. شارك في هذه المنتديات السرية، التي شهد أحدها مدينة يكاترينبورغ الروسية أواخر عام 2023، مسؤولون عسكريون رفيعو المستوى، وممثلون عن كبرى شركات الصناعات الدفاعية، ومؤسسات حكومية من البلدين. وقد كشفت الوثائق المسربة عن بروتوكولات أمنية صارمة، بما في ذلك رسالة تحذيرية تم توزيعها في النسخة الرابعة من المنتدى، تحظر "حظراً تاماً نقل أي معلومات عن المنتدى أو إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام أو تمرير أي معلومات حول المحتوى بغض النظر عن نوعها."
**تطوير أسلحة الجيل الجديد: من الدفاع الجوي إلى الصواريخ فرط الصوتية**
تجاوز هذا التعاون مجرد تبادل المعدات ذات الاستخدام المزدوج، ليتعمق في تطوير أسلحة متقدمة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي من الجيل الجديد. وتشير الوثائق التي حصلت عليها "دير شبيغل" إلى مناقشات مكثفة حول سيناريوهات لاستهداف بنى تحتية غربية حيوية، وبحث سبل تحدي التفوق العسكري الأمريكي، خاصة في المجالات الجوية والصاروخية.
من أبرز ملامح هذا التعاون هو التركيز على تطوير أنظمة دفاع جوي وصاروخي قادرة على مواجهة التهديدات الحديثة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية المناورة والصواريخ فرط الصوتية. تتضمن المشاريع المشتركة تطوير مراكز قيادة وتحكم للصواريخ الأرضية، بالإضافة إلى صاروخ موجه قادر على المناورة لاعتراض الصواريخ فرط الصوتية في مراحلها الأخيرة على ارتفاع يصل إلى 40 كيلومترًا. ويُتوقع دخول هذا النظام، الذي يعد من الأكثر تطورًا عالميًا، الخدمة حوالي عام 2030، بهدف حماية البلدين من الضربات الدقيقة بعيدة المدى، خاصة الأسلحة الأمريكية الحديثة.
**"تهديد ستارلينك": الأولوية القصوى المشتركة**
يُظهر التحقيق اهتمامًا صينيًا روسيًا استثنائيًا بمواجهة نظام أقمار "ستارلينك" التابع لشركة سبيس إكس، والذي أثبت فعاليته كعنصر حاسم في دعم الاتصالات للجيش الأوكراني. ينظر الجانبان إلى ستارلينك بإعجاب وحسد، مدركين قدرته على إحداث "تحول ثوري في أنظمة اتصالات المعارك".
في أحد الاجتماعات المنعقدة في مدينة غوانغجو الصينية أواخر عام 2023، قدم الوفد الصيني مقترحات واسعة النطاق لـ"إجراءات مضادة" ضد ستارلينك. تشمل هذه الإجراءات التشويش على النظام، أو إبطاء عمله، أو حتى تدمير أقمار العدو الصناعية. وتكشف الوثائق أن هذه الإجراءات يمكن تنفيذها من خلال هجمات سيبرانية على البنية التحتية لأقمار إيلون ماسك، باستخدام تقنيات مثل "الانتحال" (Spoofing) وإدخال الفيروسات لشل الشبكة.
**تقاسم الأدوار التكنولوجي: الخبرة الروسية والقدرة الصناعية الصينية**
يؤكد التحقيق أن الشراكة العسكرية بين موسكو وبكين تقوم على تقاسم الأدوار بشكل استراتيجي يسد كل طرف النقص لدى الآخر. فبينما تقدم روسيا خبرتها الميدانية القيمة المكتسبة من حربها المستمرة في أوكرانيا، والتي تُعد مختبرًا حقيقيًا للتكتيكات والتقنيات العسكرية، توفر الصين قدراتها الهائلة في مجال الإلكترونيات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الصناعية المتقدمة. وقد كشفت الوثائق عن تدريب مشغلين روس على المسيرات القتالية في ستة مواقع داخل الصين، وعودة ما لا يقل عن 200 جندي روسي إلى جبهات أوكرانيا بعد هذا التدريب. كما أُرسل ضباط صينيون رفيعو المستوى إلى الجبهة الأوكرانية للاطلاع المباشر على مجريات الحرب.
**ردود الفعل والتبعات الجيوسياسية**
أثارت هذه المعلومات قلقًا عميقًا في الغرب، حيث استدعت وزارة الخارجية الألمانية السفير الصيني في برلين لإجراء محادثة عاجلة. وعلق وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، بأن حجم الدعم الصيني للجيش الروسي "يبعث على قلق بالغ"، مشددًا على أن ذلك يمس جوهر المصالح الأمنية الأوروبية.
في المقابل، نفت السفارة الصينية في برلين هذه الادعاءات، واصفة إياها بأنها "لا تستند إلى أي أساس واقعي ولا تعد أكثر من افتراءات ومحاولة لتشويه السمعة"، مؤكدة أن التعاون بين الصين وروسيا "لا يستهدف أي طرف ثالث". فيما لم ترد السفارة الروسية ولا الشركات المشاركة في المنتدى على طلبات التعليق.
تظهر سجلات السفر المستمرة لكبار المفاوضين من الجانبين، مثل أندريه كوفاليوف من روسيا وتجاو تينغ تينغ من الصين، استمرارية هذا التعاون وتعمقه. ومن المقرر عقد الاجتماع السري الروسي الصيني السادس في سانت بطرسبورغ.
يخلص تحقيق "دير شبيغل" إلى أن هذا التعاون يمثل تحديًا استراتيجيًا جديدًا لألمانيا وحلف شمال الأطلسي، حيث باتت جبهتا صراع كان ينظر إليهما سابقًا كمنفصلتين، وهما أوكرانيا وتايوان، متشابكتين من خلال هذا التحالف التكنولوجي العسكري السري، الذي يسعى لكسر التفوق الغربي وإعادة تشكيل المشهد الأمني العالمي.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق