**نصير مزراوي: أيقونة الدفاع المغربي بلمسة عالمية**
يُعد نصير مزراوي أحد أبرز المواهب الكروية التي أنجبتها الكرة المغربية في العقد الأخير. يتميز هذا المدافع بقدرته الفائقة على شغل مراكز متعددة في الخط الخلفي، سواء كظهير أيمن أو أيسر أو حتى قلب دفاع، مما يجعله قيمة تكتيكية لا غنى عنها لأي فريق. تلقى مزراوي تكوينه الكروي الرفيع في أكاديمية أياكس أمستردام العريقة، ليتدرج فيها حتى الوصول إلى الفريق الأول، ومن ثم محطته الكبرى في بايرن ميونخ الألماني، قبل أن يستقر به المطاف في مانشستر يونايتد الإنجليزي. كان له دور محوري في الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي ببلوغ نصف نهائي كأس العالم فيفا قطر 2022.
يتجلى تألق مزراوي في مزيجه الفريد من القدرات الفنية العالية، فهو يمتلك سرعة فائقة ومهارة لافتة في المراوغة، إلى جانب دقة تمرير استثنائية وقدرة على بناء اللعب من عمق الدفاع. هذه المرونة التكتيكية، التي تسمح له بالتحرك بين مختلف مراكز الخط الخلفي، أكسبته ثقة وإشادة العديد من المدربين، ووضعته ضمن مصاف أبرز اللاعبين المغاربة على الساحة العالمية. وفي سياق إنجازات "أسود الأطلس"، برز اسم مزراوي بقوة خلال منافسات كأس العالم 2026، حيث قدم مستويات أداء مبهرة، ولفت الأنظار بمبادراته الروحية، كدعوة زملائه للسجود شكراً لله بعد تسجيل الأهداف أو تحقيق الفوز، وهو ما لاقى تفاعلاً إعلامياً وجماهيرياً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي.
**النشأة والتكوين: من هولندا إلى جذور جبالة**
وُلد نصير مزراوي في 14 نوفمبر 1997 بمدينة لايدردورب الهولندية، ونشأ في ألفن آن دن راين، ضمن أسرة مغربية مكونة من خمسة أفراد، تنحدر أصولها من قبائل جبالة قرب مدينة تطوان شمال المغرب. على الرغم من ولادته وترعرعه في هولندا، إلا أن نشأته الأسرية الأصيلة لعبت دوراً حاسماً في تعزيز ارتباطه بهويته المغربية، وهو ما دفعه لاحقاً لاختيار تمثيل المنتخب المغربي على الصعيد الدولي، مفضلاً إياه على نظيره الهولندي.
بدأ مزراوي رحلته الكروية في نادي ألفين، وسرعان ما استقطب اهتمام كشافي أياكس أمستردام لينضم إلى أكاديميته الشهيرة في سن التاسعة. هناك، صقل موهبته وتدرج في الفئات السنية، لكن مسيرته لم تخلُ من التحديات؛ ففي فئة أقل من 17 سنة، قلّت فرص مشاركته، مما دفعه للتفكير في اعتزال اللعب والتفرغ لدراسة القانون. إلا أن مدربه آنذاك، مارسيل كيزر، كان له دور حاسم في إقناعه بالاستمرار، مانحاً إياه فرصة مع الفريق الرديف، حيث استعاد ثقته وأظهر إمكانات هائلة على مدار موسمين. هذا الأداء المميز لفت أنظار الجهاز الفني للفريق الأول. ومع قدوم المدرب إريك تين هاغ مطلع عام 2018، حصل مزراوي على فرصته الذهبية مع الفريق الأول. أشاد تين هاغ بقدراته وأخضعه لبرنامج إعداد بدني مكثف، ساهم في تطوير لياقته البدنية وتثبيت مكانه في التشكيلة الأساسية، ليبدأ منها فصول مسيرته الاحترافية المتوهجة التي قادته نحو كبار الأندية الأوروبية.
**مسيرته الاحترافية مع الأندية الكبرى**
* **أياكس أمستردام (2018-2022):** انطلق مزراوي في مسيرته الاحترافية مع الفريق الأول لأياكس مطلع 2018، ليثبت نفسه سريعاً كعنصر أساسي بفضل قدراته الفنية المتكاملة وتعدد أدواره الدفاعية والهجومية. خلال أربعة مواسم، شارك في 137 مباراة في مختلف المسابقات، مسجلاً 10 أهداف ومقدماً 9 تمريرات حاسمة. كان له دور فعال في تحقيق أياكس لعدة ألقاب محلية، كما لمع نجمه كأحد الأركان الأساسية في الفريق الذي بلغ نصف نهائي دوري أبطال أوروبا موسم 2018-2019.
* **بايرن ميونخ الألماني (2022-2024):** في صيف 2022، انضم مزراوي إلى عملاق بافاريا، بايرن ميونخ، في صفقة انتقال حر. على الرغم من تحديات الإصابات والمنافسة الشديدة، شارك في 55 مباراة، مسجلاً هدفاً واحداً و8 تمريرات حاسمة. ساهم في فوز الفريق بلقب الدوري الألماني (البوندسليغا) وكأس السوبر الألمانية لموسم 2022-2023.
* **مانشستر يونايتد الإنجليزي (2024-الحاضر):** في أغسطس 2024، أتم مانشستر يونايتد صفقة ضم مزراوي قادماً من بايرن ميونخ، بلغت قيمتها نحو 15 مليون يورو، بالإضافة إلى 5 ملايين يورو كحوافز. سرعان ما أصبح عنصراً لا غنى عنه في تشكيلة "الشياطين الحمر" بفضل مرونته وقدرته على تغطية مراكز الظهير الأيمن والأيسر وقلب الدفاع عند الحاجة. وبحلول نهاية موسم 2025-2026، يكون قد خاض حوالي 60 مباراة مع النادي الإنجليزي، ليؤكد مكانته كأحد أبرز المدافعين متعددي المهام في الدوري الإنجليزي الممتاز.
**مسيرته الدولية مع المنتخب المغربي "أسود الأطلس"**
بدأت مسيرة مزراوي الدولية بتمثيل منتخب المغرب تحت 20 سنة، قبل أن يتلقى دعوته الأولى للمنتخب الأول في أكتوبر 2018، ويخوض مباراته الرسمية الأولى في 11 أكتوبر أمام جزر القمر ضمن تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2019. منذ ذلك الحين، رسّخ مكانته كأحد الأعمدة الأساسية في الخط الخلفي لـ"أسود الأطلس".
شهدت مشاركاته الدولية تألقه في نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2019، وفي كأس العالم 2022 بقطر، حيث كان جزءاً لا يتجزأ من الإنجاز التاريخي للمغرب ببلوغ نصف النهائي، كأول منتخب عربي وأفريقي يحقق ذلك. كما واصل تألقه في نسختي كأس الأمم الأفريقية 2023 و 2025، مساهماً بفعالية في تتويج المنتخب باللقب الأفريقي. ويُتوقع أن يستمر حضوره أساسياً في نهائيات كأس العالم 2026.
سجل مزراوي أول أهدافه الدولية في 19 نوفمبر 2019 ضد بوروندي ضمن تصفيات أمم أفريقيا 2021، وأضاف هدفه الثاني في لقاء ودي أمام الكونغو الديمقراطية في 13 أكتوبر 2020.
**أبرز الإنجازات والألقاب**
حقق نصير مزراوي عدداً من الألقاب والإنجازات البارزة، تشمل:
* عدة ألقاب محلية مع أياكس أمستردام.
* بلوغ نصف نهائي دوري أبطال أوروبا مع أياكس أمستردام (موسم 2018-2019).
* لقب الدوري الألماني (البوندسليغا) مع بايرن ميونخ (موسم 2022-2023).
* كأس السوبر الألمانية مع بايرن ميونخ (موسم 2022-2023).
* بلوغ نصف نهائي كأس العالم فيفا قطر 2022 مع المنتخب المغربي.
* التتويج بلقب كأس الأمم الأفريقية مع المنتخب المغربي (نسخة 2025).
**مواقف إنسانية وأثر اجتماعي**
إلى جانب إنجازاته الكروية، تميز نصير مزراوي بمواقفه الإنسانية التي حظيت باهتمام إعلامي وجماهيري واسع. فقد أعلن دعمه الثابت للشعب الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي إبان حرب غزة، مما أثار جدلاً في ألمانيا قبل أن يؤكد ناديه (بايرن ميونخ حينها) توافق موقفه مع قيم النادي المناهضة للكراهية.
خلال فترة لعبه مع مانشستر يونايتد، رفض مزراوي ارتداء سترة تحمل شعاراً داعماً للمثلية الجنسية في إحدى حملات الدوري الإنجليزي الممتاز، مبرراً ذلك بتعارضه مع قناعاته الدينية، وهو ما احترمه النادي.
كما لفت الأنظار مجدداً في كأس العالم 2026 بظهوره المتكرر وهو يدعو زملاءه للسجود شكراً لله بعد الأهداف والانتصارات، في لقطات انتشرت على نطاق واسع. وبجانب ذلك، برز دوره القيادي داخل المنتخب المغربي، خاصة في توجيه اللاعبين الشباب وغرس روح الانضباط والعمل الجماعي فيهم.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق