تتوضع جزيرتا مالطا وصقلية، لؤلؤتا المتوسط، عند مفترق طرق حضاري وجغرافي غني، حيث نسج التاريخ خيوطه ليترك بصمات عربية عميقة شكّلت هويتهما وثقافتهما. وتبرز مالطا، تلك الجزيرة الأوروبية الصغيرة، كشاهد حي على هذا الامتزاج، فهي تحتضن لغة تعكس تاريخاً عريقاً وتحجز للغة العربية مكانة فريدة ضمن لغات الاتحاد الأوروبي.
يؤكد الأستاذ مارتن زاميت من جامعة مالطا، الذي يتحدث العربية بطلاقة وترجم القرآن الكريم، على هذا الرابط العميق. يشير زاميت إلى أن العاصمة القديمة للمالدية، "المدينة"، تحمل اسماً عربياً أصيلاً، وإن كانت جذورها تعود إلى عصور يونانية رومانية، وقد قام العرب بتصغيرها لأسباب أمنية خلال فترات الفتوحات. ويرى أن دراسة اللغة العربية أمر لا غنى عنه لمن يرغب في الغوص بعمق في أصول اللغة المالطية، مؤكداً وجود تقارب لغوي كبير بينها وبين العربية، خاصة في القرآن الكريم. ومن المفارقات التاريخية أن التأثير العربي وصل إلى مالطا من الشمال الأوروبي، بينما تحيط بها البلدان العربية من الجنوب.
وإلى الشرق من مالطا، يكمن سر حضاري آخر مدفون في قلب أوروبا: جزيرة صقلية. هنا، تروي أزقة باليرمو العتيقة وبناياتها الشاهدة حكايات وأساطير عن تاريخ غني شكّل هويتها الفريدة، حيث ترك المسلمون بصمات لا تُمحى. من أبرز هذه الحكايات الشعبية التي تُروى هي قصة "رأس المورو" الشهيرة. تحكي الأسطورة عن شاب مسلم من بلاد المغرب العربي وقع في غرام فتاة من باليرمو. وعندما اكتشفت الفتاة أنه متزوج ويرغب في العودة إلى بلاده، قامت بقتله ليلاً وحولت رأسه إلى وعاء زرعت فيه نبات الريحان، ووضعته على شرفتها. أصبحت هذه القصة، وما ترمز إليه من عواطف قوية، جزءًا من الفولكلور الصقلي، وأصبحت الأوعية التي تجسد هذه الرؤوس تزيين الشرفات، تجذب الأنظار بجمالها وغرابتها.
خلال قرون حكمهم، ترك المسلمون في صقلية بصمة لا تُمحى في مجالات العمارة والزراعة والفنون. تحولت الجزيرة إلى منارة حضارية مزدهرة، وجسراً حيوياً عبرت من خلاله العلوم والفنون والثقافة الإسلامية إلى أوروبا. في باليرمو، التي كانت تُعرف بـ"قرطبة المتوسط" في أوج ازدهارها الإسلامي، تأسست المساجد والمكتبات والمدارس، وازدهرت بيئة علمية نشطة، برزت فيها علوم الجغرافيا والطب والفلك والزراعة، مما أثرى المشهد الفكري والثقافي للمنطقة.
ورغم أن الوجود الإسلامي في صقلية اليوم لا يشابه ما كان عليه قبل ألف عام، حيث لم تعد المساجد محاور للمدينة ولا العربية لغة الدواوين، إلا أن الأثر الحضاري العربي لم يختفِ. بل يظل حياً ومرئياً في تفاصيل العمران، وفي أسماء المدن والقرى، وفي نكهات البرتقال والليمون المميزة، وفي أنظمة الري المتطورة التي لا تزال تغذي الأرض بفعالية كما فعلت لقرون. إن إرث المسلمين في صقلية، رغم زوال حكمهم، لا يزال يسكن المكان ويثري هويته، شاهداً على فصول مشرقة من التفاعل الحضاري في قلب البحر المتوسط.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق