نيكولا تسلا، المهندس والفيزيائي الصربي الأمريكي، ليس مجرد مخترع، بل هو أسطورة من أساطير العلم التي جمعت بين العبقرية الفذة والغموض المطلق. وُلد تسلا في 10 يوليو 1856، وأرسى بابتكاراته العديدة أسس الحياة الحديثة، من المحرك الكهربائي ومفهوم الروبوت إلى المصابيح الفلورية، مما جعله شخصية استثنائية بحق.
رغم ترشيحه لجائزة نوبل عام 1915 (وربما رفضه مشاركتها مع توماس إديسون)، فإن تسلا عُرف بصراعه الشهير والأكثر حدة مع إديسون. عمل لفترة قصيرة في شركة الأخير، لكن اختلاف وجهات نظرهما حول الهندسة الكهربائية كان جذرياً؛ إذ فضّل إديسون التيار المستمر بينما دافع تسلا بقوة عن التيار المتردد، الذي أثبت في النهاية تفوقه ليُصبح أساس شبكات الطاقة العالمية.
لقد كانت أفكار تسلا سبّاقة لعصره لدرجة وصفه بـ"مخترع القرن العشرين". فمفاهيمه عن نقل الطاقة لاسلكياً ونظام اتصالات عالمي واستخدام الرنين الطبيعي بدت خيالية لمعاصريه، ولم يكن بالإمكان تحقيقها بالكامل خلال حياته، لكنها أرست دعائم تقنيات لا غنى عنها اليوم.
لم يكن الغموض المحيط بتسلا محض صدفة؛ فقد ساهم هو نفسه في نسج هذه الهالة، محباً سرد قصص ذات طابع أسطوري عن ماضيه، مثل رؤيته لشرارات الكهرباء على فراء قطة في طفولته. وبجانب عبقريته، كان تسلا شخصية غريبة الأطوار، عانى من اضطرابات نفسية مثل الوسواس القهري، كخوفه الشديد من الجراثيم، وعدّ خطواته، واختياره لغرف الفنادق ذات الأرقام المضاعفة للثلاثة، مما جعله يعيش حياة منعزلة في مختبره.
تجاوز الغموض الشخصي إلى نسج أساطير حول اختراعاته، كان أشهرها شائعات "أشعة الموت"، وهي سلاح مزعوم قادر على تدمير الأهداف عن بُعد. ورغم أن تسلا وصف بالفعل جهازاً يولد شعاعاً موجهاً من الجسيمات المشحونة، معتقداً أنه سيجعل الحروب بلا جدوى، وتحدث في عام 1934 عن قدرته على تدمير آلاف الطائرات، إلا أن نموذجاً عملياً لهذا الجهاز لم يُرَ النور قط، وبقيت هذه الأفكار في عالم الأحلام. أما شائعات تورطه في "تجربة فيلادلفيا" الشهيرة، فهي مجرد خرافة أخرى نُسجت حول شخصيته.
المزج بين العلم والأساطير كان سمة لأفكار تسلا، فآمن بوجود "الأثير" الكوني الافتراضي ونظر إلى الضوء كقوة مقدسة تنقل المعرفة. ومن أغرب الحكايات المنسوبة إليه، قصة سيارة كهربائية تعمل بـ"طاقة كونية"، رواها رجل ادعى أنه ابن أخ تسلا عام 1967. هذه القصة الزائفة تزعم أن تسلا حوّل سيارة عادية لتعمل بمحرك تيار متردد يتغذى من صندوق يجمع "الإشعاع الكوني"، وهي خرافة لا أساس لها من الصحة، إذ لم يكن لتسلا ابن أخ بهذا الاسم.
تكمن صعوبة تقييم إرث تسلا في هذه الثنائية المذهلة: فحلوله الهندسية غيرت وجه العالم بلا شك، بينما بقيت بعض مفاهيمه، مثل نقل الطاقة لاسلكياً لمسافات شاسعة، مجرد فرضيات جريئة تزيد من هالة الغموض المحيطة به. هذا التزاوج بين الإنجازات الملموسة والخيال العلمي، بين الواقعي والافتراضي، جعل من تسلا شخصية تثير الدهشة والتأويل، وميداناً خصباً للدراسات التاريخية والنفسية. إن التناقض بين عبقريته العملية التي أنارت المدن وشغلت المحركات، وبين رؤاه الحدسية التي سبقت عصرها بأجيال، هو سر جاذبيته الدائمة. فبصماته واضحة في كل محطة توليد كهرباء وجهاز يعمل بالتيار المتردد، في حين لا تزال أفكاره عن الاتصالات اللاسلكية والطاقة الحرة تُلهم الباحثين حتى اليوم. هذا التداخل بين العلم المحقق والطموح الذي لم يكتمل هو جوهر لغز تسلا، مما يجعله أكثر من مجرد مخترع، بل رمزاً ثقافياً يتجدد في الوعي الجمعي، ليظل اسمه مرادفاً للدهشة والإلهام والتساؤل حول حدود العبقرية البشرية.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق