**اكتشاف رائد: علماء يبتكرون "سبودسيل" - خلية اصطناعية تحاكي الحياة وتفتح آفاقاً للطب والهندسة الحيوية**
في إنجاز علمي غير مسبوق، أعلن باحثون عن نجاحهم للمرة الأولى في بناء خلية اصطناعية من الصفر، تتمتع بالقدرة على التغذي والنمو والانقسام، محاكيةً بذلك الوظائف الأساسية للخلية الحية الطبيعية. ويفتح هذا الاكتشاف، الذي قادته عالمة الأحياء الاصطناعية البروفيسورة كيت أدامالا وفريقها من جامعة مينيسوتا، آفاقاً واسعة في فهم أصول الحياة، ويعد خطوة محورية نحو عصر جديد في الطب والتكنولوجيا الحيوية.
**"سبودسيل": نموذج أولي بسيط بإمكانات عملاقة**
أُطلق على هذا الابتكار اسم "سبودسيل" (Spodcell) - في إشارة مزاحة إلى "سبوتنيك 1"، القمر الصناعي الروسي الذي دشّن عصر الفضاء في خمسينيات القرن الماضي. قام فريق أدامالا بتصنيع هذه الخلية المعقدة، التي لا تنتمي لأي من ممالك الحياة المعروفة لكنها تشبه بكتيريا بسيطة، قطعةً بقطعة باستخدام مكونات كيميائية غير حية. وتؤكد أدامالا على الشفافية التامة لمكونات "سبودسيل"، قائلة: "أعرف القائمة الكاملة لمكونات هذه الخلية، وأعرف بدقة المواد الكيميائية والجزيئات الموجودة فيها وتركيز كل منها. إنها خلية محددة بالكامل، ما يعني أنه يمكننا هندستها". هذه الشفافية تمنح العلماء قدرة لا مثيل لها على التحكم والتعديل، وهي ميزة تفوق العمل على الخلايا الطبيعية المعقدة.
**مستقبل الطب والهندسة الحيوية بفضل الخلايا الاصطناعية**
يُعتقد أن "سبودسيل"، رغم كونه نموذجاً أولياً محدود القدرات حالياً، يحمل إمكانات هائلة. يمكن أن يساهم في فهم أعمق لأصول الحياة وكيفية عمل الخلايا، مما قد يمهد لتطوير كائنات حية مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات معينة. وتشمل التطبيقات المستقبلية المحتملة ابتكار علاجات جديدة للسرطان، وتطوير أساليب فعالة لاحتجاز الكربون، وتصنيع مواد كيميائية حيوية بطرق غير مسبوقة، مما يعزز من مفهوم "الآلات الحية" المبرمجة.
على مدى عقود، ركز العلماء جهودهم على الهندسة الوراثية للخلايا الطبيعية لمواجهة التحديات البشرية، مثل استخدام بكتيريا الإشريكية القولونية لإنتاج الإنسولين. ويرى الباحثون أن الخلايا الاصطناعية تمثل الجبهة التالية في هذا المجال، متجاوزةً القيود المفروضة على الخلايا الحيوية التقليدية.
**"سبودسيل" لا يزال بعيداً عن تعقيد الحياة الطبيعية**
على الرغم من إمكانياته، لا يزال "سبودسيل" بسيطاً مقارنةً بالخلايا البيولوجية الطبيعية. يتكون من 150 إلى 200 جزيء فقط، بينما تحتوي الخلية الطبيعية على ملايين أو حتى مليارات الجزيئات. يستغرق "سبودسيل" نحو 12 ساعة لينقسم عند 30 درجة مئوية، في حين تنقسم بكتيريا الإشريكية القولونية كل 30 دقيقة. كما أن جينومه أصغر بكثير (90 ألف زوج قاعدي مقابل 4.6 مليون في البكتيريا)، ويعتمد على آلية انقسام مختلفة تماماً، فهو يفتقر إلى الهيكل الخلوي الداخلي، وبدلاً من ذلك يعتمد على تراكم البروتينات على غشائه الخارجي لدفع الانقسام. علاوة على ذلك، فهو لا يستطيع تصنيع الريبوسومات الخاصة به، بل يعتمد على ريبوسومات مستوردة من بكتيريا الإشريكية القولونية تزويده بها أثناء عملية التغذية. ووصفت أدامالا الخلية قائلة: "إنها كائن ضعيف للغاية، ولا يفعل في الوقت الحالي سوى تناول الغذاء، وأحياناً إنتاج خلية ابنة".
**هل "سبودسيل" هو "الحياة" في المختبر؟ آراء الخبراء**
يشدد خبراء، مثل يوفال إلاني ودرو إندي (مؤسس مشارك لمؤسسة "بيو تك" التي أسستها أدامالا)، على أن "سبودسيل" لا يمثل "حياة أنشئت داخل المختبر" ولا يمكن اعتباره "حياة حقيقية" بالمعنى البيولوجي الكامل. ويرى إندي أن فهمنا للحياة لا يزال قاصراً، لكن القدرة على هندسة المادة لخلق خلايا وظيفية تشبه بناء الجسور دون فهم كامل للجاذبية. من منظور السلامة الحيوية، لا يشكل "سبودسيل" في صورته الحالية أي مخاطر، ولا يمكن استخدامه، على سبيل المثال، كسلاح بيولوجي.
من الجوانب المثيرة التي كشفها البحث هو خضوع الخلايا الاصطناعية لقوى الانتقاء الطبيعي، حيث أدت التعديلات الجينية المتعمدة التي تزيد من إنتاج بروتينات النمو إلى انقسام الخلايا بشكل أسرع. ومع ذلك، يوضح الباحثون أن هذا لا يعني أن "سبودسيل" يتطور بالمعنى البيولوجي للكلمة، نظراً لأن التغييرات لم تحدث نتيجة طفرات عشوائية.
**نحو "الاقتصاد الحيوي" وفتح الأبواب للبحث العالمي**
تأمل أدامالا أن يكون "سبودسيل" بداية "العصر الحقيقي للاقتصاد الحيوي"، مشيرةً إلى أنه "مجرد البداية، وهي منصة أساسية نأمل أن نبني عليها المزيد." ولتسريع هذا التطور، أسست أدامالا، بالتعاون مع العالمين درو إندي ويان يدريشيك ورائد الأعمال كريس راجيو، مؤسسة "بيو تك" ذات المنفعة العامة، التي تهدف إلى تطوير قدرات الخلية الاصطناعية وجعلها متاحة للباحثين في جميع أنحاء العالم، مما يعزز التعاون العلمي والابتكار المشترك.
يُذكر أن الورقة العلمية التي تشرح آلية عمل "سبودسيل" قد نُشرت مبدئياً، ومن المتوقع إرسالها لمراجعة الأقران والنشر في مجلة علمية مرموقة خلال هذا الأسبوع، وهي خطوة حاسمة لإضفاء الصبغة الرسمية على هذا الاكتشاف.
يمثل ابتكار "سبودسيل" علامة فارقة في علم الأحياء الاصطناعي، ليس فقط لقدرته على محاكاة جوانب أساسية للحياة، بل لكونه نموذجاً قابلاً للتحكم والتعديل بشكل كامل. ومع استمرار الأبحاث وتوفر هذه التقنية للعلماء، قد نشهد قريباً ثورة حقيقية في قدرتنا على فهم الحياة، تصميمها، وتسخيرها لمواجهة أكبر التحديات التي تواجه البشرية.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق