تشهد صناعة التكنولوجيا الحيوية الأمريكية تحولاً جذرياً نحو التكتم والسرية، إذ باتت الشركات، من ناشئة وعملاقة، تخفي أبحاثها الطبية المتقدمة خوفاً من التقليد السريع والفعال من قبل الشركات الصينية. هذه الشركات الصينية أثبتت قدرتها على تطوير أدوية منافسة بوتيرة أسرع وبكلفة أقل بكثير، مما أحدث هزة في المشهد التنافسي العالمي، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".
**تحول جذري من الشفافية إلى السرية**
لفترة طويلة، اعتادت شركات التكنولوجيا الحيوية الناشئة في الولايات المتحدة على الإفصاح عن أبحاثها ونتائجها العلمية بشكل علني، كاستراتيجية أساسية لجذب التمويل والمستثمرين. إلا أن هذا النهج التقليدي يتغير الآن بشكل دراماتيكي، حيث تفضل شركات عديدة العمل بعيداً عن الأضواء. الهدف الواضح هو منع المنافسين، لا سيما في الصين، من استنساخ أبحاثها المبتكرة، وتسريع إجراء التجارب السريرية على البشر، وهو ما يحدث بوتيرة مضاعفة وبتكلفة أقل إلى النصف مقارنة بالولايات المتحدة.
**سرعة التطور الصيني تهدد الابتكار الأمريكي**
يمثل نشر نتائج تجربة سريرية ناجحة في مؤتمر طبي مرموق خطراً متزايداً على الشركات الأمريكية. فمجرد الإعلان قد يدفع شركة صينية إلى تقليد الفكرة العلمية الأساسية وإطلاق تجارب سريرية منافسة تعتمد المنهج نفسه، ولكن بفعالية أكبر وسرعة تفوق مرتين ما هو ممكن في الولايات المتحدة، وبتكلفة تقل إلى النصف. هذا الواقع جعل شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية تشكل تهديداً متنامياً للصناعة الأمريكية، ما دفع شركات الأدوية الكبرى والصغيرة على حد سواء لإعادة تقييم حجم المعلومات التي تشاركها مع الجمهور، بل وحتى لتعزيز الإجراءات الأمنية عند التعامل مع شركاء صينيين في التجارب السريرية.
في هذا الصدد، علّقت بريا سينغهال، رئيسة التطوير في شركة "بايوجين"، بأن "اللحاق السريع بالمنافسين يمثل مصدر قلق حقيقي"، مشيرة إلى أن شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية "أصبحت بارعة للغاية في تطوير الأهداف العلاجية المعروفة، وتحسينها، وجعلها أكثر دقة".
**معضلة الشركات الناشئة وسباق التمويل**
أما بالنسبة للشركات الناشئة، فقد خلق هذا المشهد التنافسي معضلة حادة. فالتواصل مع عشرات المستثمرين، وهو الأسلوب التقليدي للحصول على التمويل، يعني بطبيعة الحال نشر معلومات علمية حساسة أمام جهات قد لا تلتزم بالسرية وتتسبب في تسريبها. في المقابل، فإن التكتم المفرط يحد من الوصول إلى التمويل، ويقصره على دوائر ضيقة من المستثمرين يصعب الوصول إليهم دون علاقات قوية.
وفي هذا السياق، أوضحت كارين كنودسن، الرئيسة التنفيذية لمعهد "باركر إنستيتيوت فور كانسر إميونوثيرابي"، قائلة: "كنا نستطيع سابقًا الاعتماد على نظام غير مثالي لأن قطاع رأس المال الاستثماري كان يمول الأفكار الجيدة". لكنها أضافت أن المستثمرين باتوا اليوم يطالبون برؤية أدلة قوية على نجاح الدواء لدى المرضى قبل الاستثمار، وهو شرط أصبح تحقيقه أسهل وأسرع في الصين، حيث تجرى التجارب السريرية بوتيرة متسارعة.
**صعود الصين وتصاعد الرد الأمريكي**
تؤكد الأرقام هذا التحول؛ فوفقاً لشركة "نورستيلا" المتخصصة في علوم الحياة، ارتفع عدد التجارب السريرية المبكرة في الصين بحلول عام 2025 ليبلغ نحو خمسة أضعاف ما كان عليه قبل عقد من الزمن، بينما ظل العدد المماثل في الولايات المتحدة شبه ثابت. هذا التسارع دفع شركات الأدوية الكبرى إلى استراتيجية جديدة، وهي شراء الابتكارات الدوائية الواعدة القادمة من الصين، حيث أكد مسؤولون تنفيذيون عالميون أنهم يدرسون اليوم إبرام صفقات للحصول على أدوية صينية في مراحلها المبكرة أكثر من أي وقت مضى.
في المقابل، يتحرك الكونغرس الأمريكي للحد من هذا النفوذ المتزايد، حيث طرح مشرعون مؤخراً مشروع قانون يلزم وزارة الخزانة بمراجعة الاستثمارات الأمريكية في شركات الأدوية الصينية، ما قد يؤدي إلى منع بعض الصفقات. كما يسعى عدد من النواب إلى تعديل القوانين بحيث لا تقبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بيانات التجارب السريرية القادمة من الصين، في خطوة تعكس مخاوف متزايدة بشأن موثوقية هذه البيانات وتأثيرها على الأمن الصحي الأمريكي.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق