في خطوة تصعيدية تعيد التوتر إلى واجهة المشهد الجيوسياسي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتهاء وقف إطلاق النار مع إيران واستئناف الضربات العسكرية، فاتحًا بذلك الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع طهران. هذا الإعلان يثير تساؤلات جوهرية حول استراتيجية إدارته للمرحلة المقبلة، لا سيما وأن محللين أمريكيين يرون في تصريحات ترمب الأخيرة تحولًا لافتًا في طريقة تعامل واشنطن مع إيران، متجاوزة بذلك سياسة الاحتواء التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود. وفي خضم هذه التحولات، تطرح تقارير وتحليلات أمريكية خمسة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح المرحلة القادمة.
**1. تصعيد عسكري محدود النطاق:**
يرجح تقرير لمجلة نيوزويك أن انهيار وقف إطلاق النار سيُفضي إلى استئناف المواجهة العسكرية، لكن ضمن نطاق محدود ومرحلي. يهدف هذا السيناريو إلى تمكين واشنطن وطهران من مواصلة التصعيد دون الانزلاق المباشر إلى حرب شاملة، مانحًا بذلك كل طرف فرصة لتقديم نفسه كمنتصر: فالولايات المتحدة تؤكد استعادة قوة الردع، فيما تدّعي طهران أنها واجهت القوة بالقوة. غير أن هذا التقرير يحذر من أن محدودية الصراع لا تعني استقراره، فتبادل الضربات والاتهامات قد يحوله إلى صراع أعمق لترسيخ الردع، خاصة في المجال البحري.
يُذكر في هذا السياق، أن الأدميرال الأمريكي المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات الناتو في أوروبا، أشار إلى ثلاثة خيارات رئيسية أمام ترمب بعد الضربات الأخيرة: الانسحاب (وهو ما وصفه بـ"فكرة سيئة للغاية")، شن ضربات واسعة النطاق، أو تكثيف الضربات لإجبار إيران على تغيير نهجها. ويؤكد ستافريديس أن "أياً من هذه الخيارات ليس جيداً"، مما يسلط الضوء على التعقيدات المحيطة بالوضع.
**2. الدبلوماسية كخيار ضغط:**
لا يعني إعلان ترمب انتهاء وقف إطلاق النار بالضرورة إغلاق الباب أمام المسار الدبلوماسي. بل قد يُعد هذا الإعلان، وفقًا لنيوزويك، ورقة ضغط تهدف إلى تمهيد الطريق لاستئناف المفاوضات. هذا النهج يتماشى مع أسلوب ترمب التفاوضي المعتاد، القائم على التصعيد العلني في الخطاب مع الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة. من جانبها، تمتلك إيران دوافع قوية للجمع بين التصعيد والتفاوض في ظل حاجتها الملحة لتخفيف الضغوط الاقتصادية. يلفت التقرير إلى أن التفاهمات الأساسية، مثل ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز مقابل قيود على العقوبات أو اعتراف بالمصالح المتبادلة، قد تظل قائمة كضرورة لكلا الطرفين، حتى لو سقط اتفاق وقف إطلاق النار كوثيقة رسمية.
**3. الانزلاق نحو حرب إقليمية أوسع:**
يطرح السيناريو الثالث، الذي تبرزه نيوزويك، إمكانية انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية أوسع، ليس بالضرورة نتيجة لقرار متعمد، بل بسبب سلسلة من التفاعلات المتبادلة. قد يشمل ذلك ضربة غير مقصودة من قبل جماعة متحالفة مع إيران، أو هجوم أمريكي يسفر عن عدد ضحايا أكبر من المتوقع. المجلة تحذر من أن المنطقة تزخر بنقاط اشتعال متعددة قد تتحول إلى بوابات لصراع جديد، معتبرة هذا السيناريو الأكثر إثارة للقلق لدى الأسواق والجيوش والدبلوماسيين، كونه قد يندلع رغم تأكيدات قادة الطرفين بعدم سعيهم لحرب شاملة.
في هذا السياق، يرى الكاتب إرفان فارد، في مقال بموقع "ذا هيل"، أن إيران بنت على مدى عقود منظومة إقليمية لتوسيع نفوذها عبر زعزعة استقرار خصومها. ورغم أن هذه الاستراتيجية منحت طهران نفوذًا وأوراق قوة إقليمية، إلا أنها جعلتها في الوقت نفسه أكثر عرضة للمخاطر. ويضيف فارد أن "العمق الاستراتيجي" الذي اعتمدت عليه طهران تحول تدريجيًا إلى نقطة ضعف، حيث زاد من احتمالات التصعيد الإقليمي وعمق عزلتها الدولية ورفع خطر المواجهة المباشرة.
**4. الضغوط الاقتصادية ومصالح الطاقة:**
يُبرز السيناريو الرابع دور الاقتصاد وأسواق الطاقة كعوامل حاسمة في تشكيل مسار الأزمة. ترى نيوزويك أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة على كل من واشنطن وطهران، رغم عدم رغبة أي منهما في الظهور بمظهر المتراجع، قد تدفعهما نحو احتواء دوامة التصعيد. هذا المسار، وإن لم يؤدِ إلى سلام دائم، قد يفرض هدنة مؤقتة تمليها الضرورات الاقتصادية. يؤكد الأدميرال ستافريديس، في السياق ذاته، أن "مدى قدرة ترمب على ممارسة ضغط حقيقي على الاقتصاد الإيراني سيكون العامل الحاسم" في رسم ملامح المرحلة القادمة من المواجهة.
**5. اختبار دعم الحلفاء:**
يتوقع السيناريو الخامس أن تتحول الأزمة المتجددة مع إيران إلى فرصة للرئيس الأمريكي لاختبار مدى دعم الحلفاء لسياساته. تتحول الضربات العسكرية هنا إلى سؤال سياسي محوري حول من يقف إلى جانب واشنطن عندما تكون سياسة الردع على المحك. وبذلك، قد يُصبح انهيار وقف إطلاق النار مع إيران بمثابة اختبار حاسم لسياسة ترمب الخارجية، لا سيما مع اقتراب احتمالية ولاية ثانية.
تؤكد التقارير أن تحديد مسار المرحلة المقبلة سيعتمد على عدة متغيرات متداخلة، منها طبيعة الأهداف المستهدفة، قنوات التفاوض السرية، ضغوط أسواق النفط العالمية، مواقف الحلفاء، وكيفية رؤية إيران للتصعيد – هل هو أداة ضغط أم معركة بقاء؟ هذه السيناريوهات الخمسة لا تستبعد بعضها بعضًا، بل قد تتداخل في تشكيل المشهد.
في قراءة تحليلية أعمق، يرى إرفان فارد أن تصريحات ترمب الأخيرة، التي توعد فيها إيران برد أشد على أي هجوم، تعكس تحولًا جذريًا في النظرة الأمريكية لطهران. فوصْف ترمب للنظام الإيراني بأنه "سرطان" لا يشير إلى مجرد إدارة تهديد عبر تحذيرات أو ضغوط محدودة، بل يجسد تصورًا بأن المشكلة بنيوية وتتطلب معالجة جذورها. ويخلص فارد إلى أن هذه التصريحات قد تتجاوز كونها تصعيدًا عابرًا، لتوحي بأن واشنطن باتت تفكر جديًا في تغيير بنية النظام الإيراني نفسه، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة تعديل سلوكه.
المصدر: عرض الخبر الأصلي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق